أســـامـــة حــمـامـــة

W E L C O M E
لفت وشاحا قطنيا حول عنقها لتخفي آثار لدغات الحب؛ ثم وضعت مستعجلة بعض العطر الذي أهداها زبون الليلة الماضية، هرعت نحو الباب وما كادت تفتحه، حتى توقفت وعادت بضع خطوات لتتفقد نفسها في المرآة.. آه، كادت هذه المرة أن تنسى أحمر الشفاه! كيف ستخرج بدونه وهي التي لطالما تحرجت من لقاء الناس بشفتيها الصغيرتين، كان أحمر الشفاه يعطيهما بعض الحجم، فلم تخرج يوما إلا واضعة إياه، وذاك منذ تعرفت على التجميل ولوازمه أيام الإعدادي.

أضحى حلمها أن تجري عملية جراحية تكبر بها شفتيها وأعضاء أخرى كي تزداد قيمتها في السوق، كانت تدرك تماما قوانين اللعبة، فقد ساعدتها فترة دراستها في المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالجديدة في ترتيب عملها كـ"مرافقة"، لكنها طُردت قبل اكتمال مشوارها الدراسي بسبب كثرة الغياب وسمعتها "الطيبة" التي تسبقها دائما.

لم تنل مغادرة صفوف الدراسة من عزيمتها شيئا، استغلت "علاقاتها المهنية" القوية لتتدبر عملا في فندق راق بمنطقة (مازاغان) المجاورة، وسرعان ما تدرجت بفضل "خبرتها في المجال" لتصبح مشرفة على شؤون المكان.



#قصة_قصيرة
#فكرة_هامشية

ما ترك الحُبُّ فينَا، غنيّا ولا مسكيناً
الحُبُّ للقلب سِجنً، فاسألِ المساجينَ
سَلْ عنِ الشوقِّ كيفَ، أرْدَاهُم مجانيناً
وقوتاً ما زارَ جَوْفَ، فريقِ العاشقينَ
ودمعاً جرى سوفَ، يُطيقُ السّاهرينَ
يقضون الليل خوفاً، منْ فَقْدِ الخِلِّ حيناً
وحيناً مِنَ الحنينِ، صاروا مُلحِّنِينَ
رنِمُوا بالأنينِ، كَنَايَاتٍ حزينةً
وأَلِمُوا سِنيناً، للعشقِ مُلامسينَ
فحلَفُوا يميناً، تالله ما نسينَا
أنَّ الهوى حقًّا، كان ميماً وسيناً
سَحَقَنا سَحْقاً، فَمَنْ يواسينَا؟

______ أسامة حمامة





يقول مثل شعبي شهير "زوّق تبيع"، وفي عالمنا الرأسمالي القذر ومجتمعنا السطحي الذي تحكمه المظاهر بامتياز، يبقى الهندام ذلك "الغلاف الخارجي" الذي تقابل به -أنت أيها الإنسان الأناني المتعجرف- الناس في محيطك وتبيعهم عن طريقه صورة مشرقة لك، قد تكون في الواقع مختلفة تماما عمّا أنت عليه حقا -أيها الوغد الانتهازي الحقير عديم الأخلاق-.
ثم إن اهتمام الأفراد باللباس تفاقَم ليأخذ منحى سلبيا جدا من خلال العناية المبالغ فيها ليس فقط بتفاصيل وتناسق ما يرتدونه من قطع الثوب، بل بتبذيرهم الكثير من المال على شراء الماركات الأصلية الغالية بحثا عن إحساس زائف بالرقي و"الفخامة" (وليس بالضرورة عن الراحة أو الجودة)، وأملا في جذب الانتباه عندما يفشلون في فعل ذلك بشخصياتهم الرخوة المبتذلة التافهة، يشترون تلك الألبسة والأكسسوارات باهضة الثمن كي يقال عنهم مسايرون للموضة، حتى أن العديد منهم يستمد تقديره للذات من إدراك القيمة المادية لما يضع فوق بدنه من ثياب، وإن كان ما يرتديه قبيحا للغاية من الناحية البصرية، فالمهم عند هؤلاء تعويض الشعور بالنقص النفسي/المعرفي الحاد من خلال الإقبال المهول على الماديات.
وتجد أحيانا أن على عاتق العديد منهم التزامات مادية عالقة واحتياجات أساسية متنوعة لم يقوموا قط بتغطيتها، بل انصرفوا عنها إلى الكماليات والأمور الثانوية، ليحق عليهم المثلان القائلان: "ألمزوق من برا أش خبارك من الداخل" و "أش خاصك ألعريان، الخاتم أمولاي"، غير أن العري هاهُنا من نوع أخلاقي محض.


عندما يريد أن يحدثك بعض المغاربة عن الوسطية والاعتدال في الدين، يستشهدون بقولة مبتدعة عرفت طريقها إلى التجذر في الأوساط المجتمعية، وهي "شوية لربي، شوية لعبدو"؛ الترجمة الحرفية لهذه المقولة هو "قليل لله وقليل لعبده"، وأيا كانت نية الناطق بها، يبقى المعنى المحصل من قراءتها وتأوليها خاطئا ومتناقضا مع تشريعات الإسلام؛ وهذا لكونها تدعو إلى أن يعيش الإنسان حياته معتمدا مبدأ الفصل بين الشقين الديني والدنيوي كسكة القطار، خطان متوازيان ممتدان على طول الطريق جنبا إلى جنب دون أن يلتقيا أبدا، هذه القطيعة تتنافى مع توصيات ديننا الحنيف، لأن الديني والدنيوي فيها يشكلان أجزاء متكاملة ومتداخلة، بل الحقيقة أن الدين يجب أن يكون غالبا تماما على حياة الأفراد في حركاتهم وسكناتهم، لماذا وكيف ذلك؟ لأن الإسلام منهاج حياة شامل جاءت تعليماته وضوابطه في شطرين، أحدهما يتعلق بالعبادات (تنظيم علاقة الإنسان بخالقه عز وجل) والآخر يتعلق بالمعاملات ( تنظيم علاقة الإنسان بغيره من الخلق وبمحيطه ككل)، وهذا لا يتأتى إلا باستحضار وجود الله عز وجل في كل المواقف والأماكن، وعكس ما يعتقده البعض، تبني هذا الأمر لا يقوض أبدا سعي المؤمن في الدنيا ولا يحد البتة من طموحه، إنما يصوب مساره ويقومه ويجعله شخصا مسؤولا تتوافق تصرفاته مع توصيات ومقاصد الدين، هذا الأخير يحض في مجمله على الاستقامة والأخلاق الكريمة التي تساهم العبادات في شحذها وترسيخها في نفسية المؤمن لتتجسد في أفعاله، وبهذا يحدث التكامل المشار إليه سلفا، فعندما تكون النتيجة المرجوة واحدة والوسائل إلى تحقيقها متعددة، يأتي الدين ليساعدنا في اختيار السبيل الطيبة الخيرة التي ستوصلنها إليها، فلنأخذ مثلا شخصا يصبو إلى النجاح في الدراسة أو العمل؛ في غياب القيم والشمائل السمحة، سيكون من السهل عليه شق الطريق نحو هدفه دون تردد باستخدام أساليب الغش والمكر والخديعة والكذب...، لكنه في حال تشبَّثَ بالدين من خلال الامتثال لأوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه، فلن يقدم أبدا على ارتكاب معصية مماثلة حتى لو كلّفه ذلك عدم بلوغ غايته، لأن الغاية مهما بدت في ظاهرها حميدة (النجاح)، تصبح لاغية لِما يكتنف مسار تنفيذها من فساد وأضرار وآثار سلبية، كالذي يتصدق من مال أصله حرام، فِعلُ الصدقة جيد لكنه جاء نتيجة فِعلٍ سيء،... والتي تعمل في الدعارة لتعيل أسرتها، جميل أن تعتني بأهل بيتك، لكن بجلب لقمة حلال،... المهم، أعتقد أنكم فهمتم قصدي الآن؛ عندما يقوم المسلم بالإخلاص في العبادة بنية صادقة بعيدا عن الرياء والنفاق وتزكية النفس، فسينعكس ذلك حتما بشكل إيجابي على كينونته وسعيه في هذه الحياة الفانية دون تفريط أو إفراط؛.. ثم إن علينا التفقه في ديننا وعقيدتنا لأننا أولى بفعل ذلك، وهو أمر واجب على كل من يعتنق الإسلام، كيفما كان مستواه العلمي أو الاجتماعي، المعلومة الدينية متوفرة للسائل عنها، فالمفروض المبادرة للبحث والتمحيص عوض الاكتفاء باستهلاك أول ما يصادفنا أو ما يناسب أهواءنا، هناك أشياء لا يعذر المسلم بجهله إياها، ومن استحل اتباع "دينٍ على المقاس" فقد زاغ وظلم نفسه.
والله أعلم.
جئتك يا ولدي بهذا الشريط
فيه رسالتي للشخص البسيط


ذاك الودود الحسن الوسيط
يعيف الهموم وكثرة التخطيط


قنوعاً يعيش فقالوا عبيط
دارهُ قصبٌ وبعض السميط


هو أستاذ سمحّ نشيط
يذر الصفر عند التنقيط


أجيرٌ أدرك نية التوريط
لدى الأبناك بقروض التقسيط


صياد يخوض أمواج المحيط
ينشر الشراع والشباكَ يخيط


خضّارٌ يجولُ غضَباً يستشيط
على ميزانٍ سلبهُ مخزنيًّ سليط


هو شاب أتقن فن التبليط
وأذى الطريقِ دوماً يميط


أمعنت في المدح لكم التمطيط
فلجوا نادي الزاهدين بلا تفريط


___ أسامة حمامة

 "عن الاقتراع" | (نشرت لأول مرة يوم 7 شتنبر 2021)

طرق بابي زمرةُ شبابِ
قالوا نحن خيرة الأحزابِ
إذا بلغنا مجلس النوّابِ
عمّ الخير وسط الأحبابِ
عاينتهم طويلاً لا أخفي استغرابِي
وسألت سؤال الشخص المرتابِ
ما تريدون الآن يا أصحابِي؟
اختصروا فضلاً، لا تحرقوا أعصابِي
إنّ الإيجاز من محكم الآدابِ!
جاءني أحدهم عجولاً بالجوابِ
وفمه يكاد يسيل باللّعابِ
قال اسمي عبد الوهابِ
وإني أراك من أولي الألبابِ
فهيا معنا وخذ بالأسبابِ
لنهضة مأمولة وعيشٍ لُبابِ
صوّت علينا يوم الانتخابِ
بعلامة فوق رمز الكتابِ
صروح ستبنى مكان الخرابِ
وللصغار طبعا ساحة ألعابِ
أمن دائم في استتبابِ
وزيادة في منحة الطلابِ
مصحات لعلاج المصابِ
ونقل يسير لكل الركّابِ
فرص شغل في شتى الأقطابِ
ستغدو من عاطلٍ إلى كسّابِ
وللنساءِ حليُّ زريابِ
إذا عزمن نزع الحجابِ
وعطايا أُخرٌ بتركِ الجلبابِ
والخروجِ جهرةً بأخف الأثوابِ
للزانية منهن حق الإنجابِ
والأرض لها نفرش بالزرابِي
لا درهم يهدر دون حسابِ
وللسارق النصّابِ أشدُّ العذاب
ندعم المُرابي ومدمن الشّرابِ
وحتى المصلي في قبة المحرابِ
قلت كفاك مجانبة للصّوابِ
وتحليقا بالناس فوق السّحابِ
وُعُود الأمس تعود من كذّابِ
ونفاقٌ ألِفناه من قطيع ذئابِ
صدّقنا الوهم في قالبٍ جذّابِ
كظمئٍ رأى الماء في السرابِ
جازت في حقكم أقبح الألقابِ
فارحلوا عني يا أشباه الكلابِ
قبل أن أفور بالشتم والسِّبابِ
فمضوا بعيدا منحنيي الرقابِ
____ أسامة حمامة
(الطبيعة الهمجية) عند كثير من سكان القرى والبوادي والأرياف تعد من بين الأسباب المباشرة وراء مظاهر السوقية والسلوكات المشينة التي نراها مرارا وتكرارا في الحواضر، وأنا لا أقول بأن سكان المدن لا يتحملون جزءا مما نراه من تلك التصرفات، لكن ارتباطها بالقرية وأنماط التربية المعتمدة فيها يبقى نقطة محورية لا يمكن غض الطرف عنها، وسأحاول في ما يلي من أسطر تفسير هذه العلاقة، بما تيسر من أفكار طبعا.

أود أن أشير بداية إلى أن الهجرة القروية نحو المدن تكون لدواعي شتى، وفئات سكان البوادي المرتحلة صوب الحواضر يطبعها تنوع كبير، سأختصره في الصور الأكثر رواجا، لدينا في هذا الصدد مثلا، ذاك الذي انتقل في سن الشباب إلى المدينة بحثا عن عمل، فاختار العيش في الصفيح مؤقتا حتى تتحسن أحواله، فإن لم تتحسن، بقي في الصفيح وسلك "طرقا أخرى" لجني المال، أملا في إشباع بطنه وضمان بقائه في المدينة على الأقل إلى حين، وحتّى لا يضطر للعودة إلى القرية الأم فيقال عنه فاشل وأقرانه الذين غادروا قديما إلى المدينة أفضل منه، ثم قد يحلو له المقام لاحقا ويتزوج وينجب في تلك "البراكة"، ويأتي بعدها بقبيلته كلها، خصوصا إذا سمع بصرف مساعدات لسكان دور الصفيح،.. وهناك نموذج الفلاح الميسور الذي باع أرضه أو جزءا منها ليستقر في المدينة، مع زيارته المنتظمة للبادية طلبا للارتواء من عبقها عند الحاجة، وهناك من غادر مضطرا عند مرور طريق -سيارة- أو بناء مشروع في أرضه، فإما يرحل لقرية أخرى أو يتجه نحو المدينة ويبني منزلا أو يشتري شقة، وقد يطلق مشروعا صغيرا إذا كان التعويض الذي حصل عليه مهما،..

على العموم، النقطة المشتركة بين ثلة من هؤلاء، ليست فقط في كونهم منحدرين من البادية، بل في شعورهم القوي بعدم القدرة على الاندماج في بيئة جديدة، -رغم اختلاف مستوياتهم الاجتماعية كقرويين، فوفرة المال لا يعني بالضرورة توفر التربية الحسنة- ، والأصح هنا أن أستدرك فأقول "عدم رغبتهم المسبقة في التكيّف" بدلا عن "عدم القدرة"، لتكون نتيجة هذا الشعور حالةً مزمنةً من السلبية والتقوقع على النفس ومعاداة الآخر "قاطن الحاضرة" Urban citizen، لأنه بالنسبة لهم ذلك الشخص العنصري المضطهد الذي يهضم حقوقهم ويهمشهم، بيد أنهم في الحقيقة من اختاروا التمركز في "الأحياء الهامشية"، بل هم من بناها أساسا. تتطور لديهم تدريجيا فكرة "أنا ضحية" التي تتغذى على الإحساس بالنقص والغربة، فيندفعون بعقلية انتقامية إلى استباحة كل ما يقع في مرماهم، لأنه حسب ظنهم "حق مشروع لا يقبل النقاش"، ستجدهم يسرقون الكهرباء من أعمدة الطاقة، يبذرون ماء السقايات التي تنصب بالمستوطنة المسماة "كاريان" التي يسكنونها، يركبون حافلات النقل دون أداء ثمن التذكرة ويزعجون من فيها، ينهبون ويقطعون الطريق على الناس،.. وغالبا ما تلجأ شريحة عريضة من "سكان المدن" إلى نهج نفس السلوك على المدى البعيد كردة فعل دفاعية، وهنا تكمن الطامة الكبرى، حيث تدخل سمة "الهمجية" في عملية التنشئة لدى أسر تنتسب للمدينة منذ عقود وعاشت أجيال منها في الحواضر دون مشاكل، لكن المد الهائل والضرر البالغ للهجرة القروية بكل ما تجلبه معها من حمولة ثقافية وأخلاقية متردية وغريبة عن أهل المدينة، جعلت "الأسر المدنية" تتأثر بشكل عميق وتتبنى بالتالي في أنماط التربية التي تعتمدها، كثيرا من "العادات المتخلفة" للمتوافدين من سكان القرية، حتى أصبحنا لا نستطيع التمييز حاليا بين ساكن المدينة والقرية نظرا للتشابه الكبير الحاصل بين طباع الاثنين.

واقع الحال أن القرويين ألفوا العيش في وسط تكون فيه الطبيعة امتدادا لفضائهم الخاص، حيث يرافقهم الشعور بحق ممارسة جملة من الأنشطة في ذلك الفضاء وحتى على مستوى الأسرة الصغيرة، هذا الشعور اللصيق بالأحقية يلازمهم عند انتقالهم إلى مكان جديد كالمدينة، حيث شروط الحركة والتفاعل مع الناس والفضاء الخارجي مختلفة تماما، لذلك نجدهم غير واعين أبدا بفكرة "الفضاء العام" فينتهكون حرمته بمنتهى "الحرية"، ظانين أنهم يمارسون حقهم الطبيعي، فهناك من يقضي حاجته بفخر على الأسوار أو جدران البنايات، ومن يرمي الأزبال على الأرض لأن الأمر برمته شيء بديهي تربى على فعله في القرية، ربما لدوافع حميدة أحيانا، كاستعماله لفتات الأكل وقشور الخضار علفا للماشية أو سمادا للأرض، لكن الوضع مختلف في المدينة، فآنذاك يصبح فعل مشابه "تلويثا" و "سلوكا غير متحضر".

ينادون ويحدثون بعضهم من بعيد بصوت مرتفع، أطفالهم في الشارع ليل نهار يتقاذفون العبارات النابية، يسيرون حفاة أغلب الوقت، يتركون المنزل للجلوس والتسامر في ناصية الزقاق، يكنسون بقايا القمامة من أمام أبواب منازلهم لتصبح أمام دار شخص آخر دون اكتراث، المهم ألا تكون قربهم، يدخلون بيوت بعضهم دون استئذان، ينجزون أشغال الإصلاح ليلا دون أي احترام للجيران، تخرج نساؤهم شبه عاريات للتسوق أو تنظيف عتبة المنزل، والمضحك حركة تقوم بها بعضهن عندما تجد إحداهن ترتدي جلبابها وتلف قطعة قماش حول رأسها أثناء مشيها إلى البقال بملابس النوم، وتكون قد قطعت نصف الطريق قبل أن يكتمل ارتداؤها للملابس، بعضهن ينفضن الزرابي المليئة بالغبار من نافذة أو شرفة علوية لتصير الأجواء مغبرة بالكامل،.. يتفشى لديهم العنف الأسري، استهلاك المخدرات بحثا عن شعور مفقود بتقدير الذات أو محاولة لإلهائها عن واقعها المرّ،.. يقدمون على النصب والاحتيال، السرقة والكذب، ويشتهرون بـ (حمية الجاهلية الأولى): "أنا وابن عمي ضد الغريب". يذكرني هذا بفئة من المغاربة اللاجئين في أوروبا، وبنفر من القاطنين هناك بشكل رسمي، ينغلقون على أنفسهم ويرفضون الاندماج ولو قليلا في المجتمع الغربي، ولا حتّى من باب المواطنة الصالحة. بالمقابل، يسعون بشكل دائم إلى فرض أسلوب عيشهم "الوسخ"، ثم يشتكون من "نبذ الساكنة المحلية لهم"؟ !

قد لا يستوعب كثير من هؤلاء ما هم فاعلون، وقد لا يرون تصرفاتهم معيبة، ثم قد لا يكون هناك سبيل لإصلاحها، لأنها تمثل لهم إرثا مقدسا مما ألفوا عليه آباءهم وأمهاتهم، "من شب على شيء شاب عليه"... ولا أخفيكم علما أن برامج تلفزة واقع ودراما من قبيل "قصة الناس" و"وجع التراب"، تجعل المرء يفكر جديا في حلول ناجعة كفيلة بإبطاء التناسل لديهم، ريثما يعود التوازن لمنظومة القيم في المجتمع،-أمزح-. من جهة أخرى، سيكون من الجيد الدفع قدما بالأوراش الاجتماعية والمبادرات التنموية التي تهيئ لهؤلاء فرصا للعمل بكرامة قرب أماكن إقامتهم دون التنقل إلى مناطق أخرى يعيثون فيها فسادا، ويلزم أكيدا أن توازيها جهود حثيثة للنهوض بالتربية على المواطنة والتحضر في الوسط القروي -حتى يعرف العازمون على الهجرة ما ينتظرهم-. ختاما، في إطار فك اللبس ودرء أي سوء تأويل محتمل، لا يفوتني أن أسطر بخط عريض –وغليظ- على أن المعنيين بأطروحتي البسيطة هذه ينتمون لصنف معين من "أبناء القرية" دون تعميم، ونحن هنا لم ننتقص أبدا من القرية، ولا ننكر أنها لطالما أنجبت لنا النبغاء والعلماء وجادت علينا بالصالحين الطيبين،.. لكن كشف خبايا الجانب المظلم أو "المحرِج" لموضوع معين يبقى أكثر إغراء من الاكتفاء بإعادة سرد ما يراه العيان تحت ضوء النهار. ولا أستثني، لأكون منصفا، كون سكان المدينة "بْخبيزتهوم" أيضا، وذاك حديث ذو شجون سأفرد له تدوينة في المستقبل بإذن الله.

 أسامة حمامة

#فكرة_هامشية

 (الرأسمالية) وحش لاأخلاقي قذر، ولا تعدو كونها راقصة تعرٍّ لا يهنأ لها بال حتى تجرب شتى طرق الإغراء، لتسلبك في نهاية العرض أموالك كلّها بطريقة "قانونية جدا"! –البعض يسمي ذلك "فنّا"، أنا أسميه فنَّ احتيال-.


ولأن لعبتها لا تخلو من المكر والخديعة، دعوني أُفرد الحديث لطرح أمثلة شديدة البساطة عنها، ومقرفةٍ ربما. ستجدها أحيانا تدافع عن الإنجاب وتكوين الأسر، ليس بالضرورة حرصا منها على استمرار العرق البشري، بل من أجل بيع حفاضات الأطفال، وهي أيضا من سيحاول إبقاءك حيا لأطول مدة ممكنة، ليس حبّا في شخصك أو اهتماما بصحتك، بل حتى تبلغ السن الذي ستحتاج فيه حفاضات مجددا، فتبيعك واحدة من الحجم الكبير هذه المرة.


(الرأسمالية) تعدك برفاهية مزعومة مبنية على الكسل والبلادة، تقول أنها تريد أن تجعل حياتك أسهل و"أرقى"، لكنها في الواقع تريدك أن تشتري أكثر فقط، ستجدها تفعل المستحيل لإقناعك بأن راحتك مرتبطة بالمنتجات التي تروجها، وسعادتك مشروطة باتباع ثقافة الاستهلاك اللامحدود التي تدسها في المجتمع تحت مسميات جذابة، من قبيل الحضارة والحداثة والموضة،... وقد تصل لمرحلة تحس فيها بوطأة الضغط النفسي الرهيب جرّاء مشيك عكس التيار، وإحساسك بأنك الغريب الوحيد الذي لم يتأثر بالعادات الشرائية السائدة، فلم يتسابق للحصول على تلك الخدمة أو ذاك المنتوج فقط لأن الجميع يفعل ذلك. صدّقني، إن لم تكن شخصيتك قوية، ستذعن لـ (الرأسمالية) إرضاء لمن حولك، وهذا سبب سخيف، مع العلم أن من "سترضيهم" لأجلها ليسوا في الأصل إلا ثلة من أتباعها.


(الرأسمالية) لا تؤمن بالجمال الطبيعي ولا بنسبية فكرة الجمال عموما، ستقول لك أنك مليء بالعيوب وستريك كل سنة صور نماذج بشرية متشابهة، تدعي أنها تجسد ما يجب أن تكون عليه من رأسك إلى أخمص قدميك كي تصير "جميلا". إنها تريدك أن تشتري مساحيق ومواد التجميل لأنها "الضمان الوحيد لتحظى بالجمال الأمثل"، تبيعك بعدها مستحضرات كيميائية أخرى تُستعمل على البشرة والجسم ليلا لإصلاح ما أفسده المايكاب ومشتقاته نهارا، أمر عجيب فعلا! وهي لا تؤمن بوصفات العلاج العشبية، بل تريدك أن تهرع إلى الطبيب وبعدها إلى الصيدلية عند كل كحة عابرة، وإلا فمن سيشتري أكوام الأدوية المكدسة في الصناديق؟


(الرأسمالية) ستشجعك على الاحتفال بجميع المناسبات العائلية والرسمية وغير الرسمية، بل ستبتدع لك مناسبات من عندها إن لزم الأمر، ستؤيدك في قرار الزواج، ليس إيمانا منها بالحب أو قدسية الزواج وجوهره، بل لتقيم حفل زفاف تصرف فيه ما لديك لإبهار الناس، وستفرض عليك تنظيمه بطريقة معينة عنوانها التبذير، كي تضع الصور على السوشال ميديا ويقال عنك شخص " رائع وكيوت" وكي تعيشَ "لحظات رومانسية" لا تنسى –"لا تنسى" لأن أثرها الاقتصادي عليك سيرافقك دائما-.


(الرأسمالية) لن تحضك على الحركة وممارسة الرياضة، هي تريدك شخصا خمولا يقتني سيارة ويتنقل بها قدر المستطاع، تريد مالك عند توقيع عقد البيع وقرض البنك وعند دفع مصاريف التأمين والضريبة والصيانة والموقِف والبنزين...، وإذا شجعتك يوما على الرياضة، فلن تخبرك بأن الجري في الغابة ومزاولة حركات تمديد العضلات كاف، لا، بل ستقنعك بالاشتراك في أغلى ناد رياضي، واقتناء ملابس احترافية خاصة من ماركات محددة، وشراء عدة منزلية احتياطية من التجهيزات الرياضية، ستجد نفسك لا تستعمل أكثر مكوناتها، وغالبا ما ستظل مركونة في إحدى زوايا الغرفة،.. هي لا تريدك أن تطبخ في المنزل وتأكل طعاما صحيا، بل تريدك أن تستقل المركبة ذاتها لتذهب إلى مطعم وجبات سريعة يقدم لك السكري والكوليسترول وأمراضا أخرى في طبق مزين، بأضعاف ثمن ما ستقتني به غذاء نافعا، وهي ستحثك على أكله لوحدك كي "تدلل نفسك"، فإذا شاركت رفاقك وجبتك الضارة تلك -لسد جوعهم على الأقل-، فلن يضطروا لشراء وجبات فردية، وهذا لا يناسب (الرأسمالية) طبعا، فهي تريدك أن تكون مستهلكا أنانيا، يشتري أي شيء بأي سعر، ولا يشاطره مع أي كان، حتى لو كان يفوق حاجته ويتبقى منه الكثير، فالأفضل عندها أن تذهب البقايا إلى مكب النفايات على أن تنقص مداخيلها باستفادة كائن بشري آخر منها.


(الرأسمالية) لن تقول لك بأن هندامك حسن وأن ما ترتديه من لباس مناسب ما دام مريحا ونظيفا، بل ستجبرك على مواكبة الموضة واقتناء كل موديل جديد يطرح في السوق، كي تحافظ على أناقتك وتكون "إنسانا معاصرا"، وإن لم تفعل فسيكون مصيرك النقد وسخرية الآخرين، لأنك "قديم الطراز".


(الرأسمالية) لا ترى سعادتك في الأشياء البسيطة، وحتى إن سوقت لك بعضها أحيانا –لأن البيع شغلها الشاغل في نهاية المطاف-، فهي لا تريدك أن تعيد استعمال ما تشتريه أو أن تصلحه إذا تعطل، فقط اذهب واشتر غيره دون تفكير. لا تقلق، ستجدها بالفعل قد خططت لتضطرك إلى ذلك، فقد وضعت من أجلك على رفوف المحلات بضائع قصيرة الصلاحية، ستتعطل من تلقاء نفسها بعد مدة وجيزة، مهما تفانيت في صيانتها.


(الرأسمالية) تريدك أن تغيب حس المنطق لديك، وتجمد وعيك، وتبطل القدرات التي من بها الله عليك، لتصبح بذلك عبدا خاضعا لها، لا تستطيع تحريك ساكن دون دفع المال بالمقابل، تريدك أن تشعر بالنقص الدائم فتتحين من أجل ذلك كل فرصة مواتية لتخلقَ لك احتياجات وهمية وتقنعك بإلزامية الأداء لإشباعها كي تعيش حياة كاملة مثالية، بيد أنها في الحقيقة لن تزيدك إلا شقاء.


لن ينجو من براثن (الرأسمالية) إلا عاقل زاهد قنوع، يدرك ما يحتاجه فعلا، لهذا، فعوض الانصياع إلى الرغبة في الامتلاك التي تجر إلى الاستهلاك، لما لا نأخذ وقتا لمراجعة اختياراتنا المتعلقة بالتسوق، ثم التفكير مليا في تنمية فلسفة الاستغناء، وخير سؤال نعيد به إحياء عقولنا ونور أبصارنا التي أعمتها الإشهارات واللافتات الإعلانية التي لا تنفك (الرأسمالية) تصدح بها وتنصبها يمنة ويسرة، سواء في العالم الملموس أو الافتراضي، هو باختصار: هل أحتاجه فعلا؟ Do I really need it


استشرت الوقاحة والبذاءة في مجتمعنا بشكل "همجي"، حتى أصبح كل فعل أخلاقي وإنسان مؤدب مَثار استغراب الناس وتشكيكهم، بل وحتى سخريتهم في كثير من الأحيان. أضحى الشخص المهذب في زمننا محط تحقير واستصغار، يُنظر إلى طيبته على أنها سذاجة وغباء، ومن الذئاب البشرية من يراه فريسة سهلة ولقمة سائغة، فيسارع بذلك حِقار النفوس إلى محاولة استغلال أي فرد تظهر عليه بعض علامات الحياء والرفق أو بوادر اللياقة والنزاهة والعفة.

وإن حدث أنْ باءت بالفشل محاولات الانتهازيين في إخضاع (الإنسان الفاضل) بضمه إلى قبيلتهم أو إلحاقه بلائحة "غنائمهم" -بعد إدراكهم طبعا أنّ الشخص لبق رزين وليس مغفلا كما يعتقدون-، استحَال عندهم ذاك العبد الشريف إلى "عدو لدود"، فاتخذوه هزؤا وكالوا له أقبح الشتائم ونسبوا التصنع والاحتيال والرياء إلى سلوكه القويم وصفاته الحميدة، وما نبع ذلك إلا من فرط الحقد والغل، والأسف على عدم استطاعة قضاء وطرهم منه، وربما من ضياع آمالهم في جعله واحدا منهم، أو في أن يغدوا هم مثله يوما ما.

في سياق متصل، لا أنكر أن الطيبين أنفسهم يتعجبون أحيانا لدى ملاقاة أو مصادفة شخص طيب آخر، وغالبا ما يكون شعورهم البريء بـ "العجب" ممزوجا بالفرح لأن أمنتيهم في إيجاد شخص طيب مثلهم تحققت أخيرا، ولأنهم واعون بكون الطيبة الخالصة عملة نادرة في وقتنا، وما مروا به من تجارب سيئة جعلتهم أكثر تقديرا للطيبين من جهة، وأكبر قدرة، من جهة أخرى، على التمييز بين "الطيبة الصافية الحقيقية" وتلك التي ليست في الواقع إلا خبثا يرتدي قناع"الطيبة"، يذكرني هذا بلعبة قفاز الملاكمة المضغوط في علبة هدايا أنيقة، تُسعد بها وتخالها عربون محبة جميل، حتى يحين موعد فتحها، لتصدمك لكمة قوية مباشِرة على وجهك.

على صعيد مواز، هناك من الناس من يصر على التشكيك الدائم في صدق أدب شخص ما، حتى لو كانت تلك هي طبيعة الشخص الأصلية، مردُّ ذلك اعتيادهم العيش في وسط قذر أخلاقيا، محاطين بالوضعاء من كل جانب، حتى أصبحت الدناءة والانحطاط والأنانية عند هؤلاء أمرا "عاديا"، لدرجة جزمهم قطعا باندثار الأسوياء ذوي الشمائل الحسنة، مع إيمانهم المطلق بفرضية أن كل عمل صالح وصنيع حسن مهما كان جليلا، ليس إلا فعلا مُغرِضا يصدر حصرا بدافع المصلحة الشخصية. إنهم بذلك يُسقطون ما هم عليه من فحش وضلال على الناس الاخرين، ولا يرون أي إمكانية لوجود عكس ما ألِفوه، المسألة هنا تشبه قصة امرأة تربت في بيئة قمعية منذ الصغر، تعرضت خلال نشأتها لظلم ذكوري من طرف الأب والإخوة، ثم طالها الأذى مجددا عبر المرور بمواقف وعلاقات سيئة مع الرجال، عاطفيا ومهنيا وفي الشارع، لتتكون لدى تلك السيدة فكرة سوداوية -يصعب اجتتاثها-، مفادها أن "الرجال جميعهم مجرمون بغضاء"، وهي إن كانت قد انطلقت في بناء تصورها -الذي صار قناعة راسخة الآن- من تراكمات تجربة شخصية محضة -لا نلومها عليها أبدا-، فهذا لا يعني بتاتا صحة ذاك التصور السلبي أو استحالة العثور على بديل ملموس يبدد تشاؤمها ويخفف عنها شيئا من الحيف الذي عاشته سابقا. 

إن وقوعها في فخ النمطية بسبب تكرار ما مسّها من عنف وجور من النوع الاجتماعي ذاته (الذكور)، ليس مبررا كافيا لتفضيل التقوقع على النفس واتخاذ سلوك عدائي كإجراء وقائي يحميها من خبايا المستقبل، فالإمعان في الاكتئاب سيضعف حسها النقدي ووازعها الأخلاقي الداخلي، وستسول لها نفسها عاجلا أو آجلا، إصلاحَ كيانها ورد الاعتبار بإعادة إنتاج ما عاشته من شناعة قديما، أي أنها ستتحرك لتحقيق تلك الغاية مدفوعة فقط برغبتها في "الانتقام"، ليس بالضرورة ممن أساء إليها، بل من "الجميع"، وهي بذاك ستوغل في عملية تسميم شخصيتها وتدمير أي خصال أو قيم نبيلة تبقت لديها، لتتحول إلى شخصية شريرة لا تقل أنانية عن الذين انتهكوا حقوقها واغتصبوا كرامتها في ماض قريب. ولو ركزت، عوض البحث عن الثأر، على ما يعزز التفاؤل في نفسيتها، ويرجع ثقتها المفقودة بالنفس، لتكون أقوى روحيا وأذكى تعاملا، لكان أفضل لها على المدى البعيد. قد يولّد الاقتصاص لديها شعورا لحظيا بالرضا أو حتى "الفخر"، لكن هل هو فعلا كذلك؟ وهل سيخرجها ذلك من متاهة الرهاب والقلق والتوتر التي ستظل غائصة فيها ما دامت متعلقة بتلك الفكرة السوداوية؟.. فكرةٌ، التشبث بها، قد يفوت عليها فرصة مقابلة من سيحتضن قلبها يوما برحمة وإخلاص ويمسح على جبينها بعطف لتزول كل الذكريات المؤلمة.

إن أكبر عدو لعقيدة المؤمن في المقام الأول هي نفسه (الأمارة بالسوء)، تأتي بعدها عوامل خارجية أخرى، تضم أخاه الإنسان والشيطان والبيئة المحيطة بكل مكوناتها. وعندما يفشل المؤمن في ترويض النفس (جهاد النفس)، سينساق وراءها في أي اتجاه تسلكه، وهذا يتطور طبعا بشكل تدريجي، فأغلب من يتخلى عن عقيدته، يبدأ مشواره بأفعال بسيطة تسول له نفسه صوابها، فقد يؤجل أحدهم صلاة الصبح دائما بحجة أنه لا يستطيع القيام لها، وسيبحث عن مسوغ مادي جاهز لذلك، ككون الجسم يحتاج ساعات معينة من النوم لا يجب التفريط فيها، ثم يذهب في طريق أن الصلاة كتاب موقوت، وبما أنه لا يستطيع حاليا الالتزام بها في مواعيدها، سيضطر إلى تركها حتى "يصبح مستعدا" لها، لأنه لا يريد -حسب ظنه- أن يكون "منافقا" أو " شخصا يخادع نفسه"، مع أنه في هذه الحالة وقع فعلا ضحية خداع هوى النفس، فعدم استطاعة القيام للصبح لا يلغي إلزامية أداء الصلوات المفروضة الأخرى، والأصح هنا هو محاولة التقويم وتصحيح السلوك (وهذا هو جهاد النفس)، عوض التسويف وتبني عقلية انهزامية تقر بضعف النفس وعدم جدية الشخص وفتور قناعاته، فضلا عن سوء إدراكه لسمو مقاصد الشريعة والعبادات. فقد أُمرنا في هذا الصدد بأن نأتي من الأمور المفروضة ما استطعنا، وليس القطيعة معها وإزاحتها كليا عند أدنى شعور بعدم القدرة على إتيان إحداها أو الإحساس بالتقاعس حيالها. قال رسول الله ﷺ: "ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم". رواه البخاري ومسلم

إزاء هذا، ستجد الكثير من الناس يضيقون ذرعا بالدين ويعتبرون التشبث بتعاليمه "عبئا" ينغص عليهم الاستمتاع الأمثل بالحياة و"العيش في منتهى الحرية"، وهؤلاء طبعا وصلوا لدرجة اليقين بضرورة أن يفرد المرء وقته وحياته لدنياه فقط، وسقط من عقولهم،_ بسبب زيغ القلوب_، أي اعتبار للآخرة ويوم الحساب، وقد ينقلبون على أعقابهم، فمنهم من يتحول إلى حداثي محرِّف يريد تكييف النصوص الدينية وتأويلها بالشكل الذي يتماشى مع رغباته الشخصية، ومنهم من يرتد عن الدين، ومن يجد ضالته في الإلحاد.

المثير في الأمر هو اعتناق كثير من هؤلاء -حتى قبل تنكرهم للدين- لأمثلة من قبيل "no pain no gain"، و "If it were easy everyone would do it"، لكنهم لا يسقطون ذلك على الشق العقائدي الروحي بقدر ما يربطونه بأمور الدنيا، فاتباع التشريعات الدينية لا يفترض أن يكون يسيرا على "الشخص العادي" ما دامت الإرادة والرغبة القوية للسير في طريق الحق ليست لديه، وإلا فأين جانب التحدي في المسألة؟! وما الذي سيميزه عن بقية الناس إن كان الجميع يستطيع الالتزام بالدين والعدول عنه متى وكيفما أراد؟! وكيف سيتذوق ذاك الشخص حلاوة الإيمان؟ وكيف سيستشعر واقعا بأن الدنيا دار اختبار؟.... ثم إن المرء الذي يتحجج بكون الدين يحد من الحريات ويقوم برفع شعار الحرية المطلقة، لا يدرك أن منطقه مجانب للصواب تماما، لأن لا وجود فعليا لحرية مطلقة، فعندما تعيش في دولة معينة، فأنت تستبدل أو تضحي بجزء من حريتك من أجل العيش تحت كنف النظام الذي توفره تلك الدولة وتحصيل المكتسبات التي تعطيها (إن وُجدت)..، فلماذا يعجز الناس عن تفهم أن للدين شروطا والتزامات توفى أيضا، وأن اعتناق الديانة رهين باتباع تعليماتها قولا وفعلا، لماذا يصعب تقبل ذلك؟... ثم لماذا لا يتفقه كثير من الناس في دينهم ولايبحثون عن دلالاته بقدر ما يستثمرون الوقت لإيجاد تبريرات واهية للتخلي عنه دون شعور بالذنب؟ بل منهم من ينبذه وراء ظهره دون تكبد عناء التفكير والمراجعة، لأنه لم يكن مؤمنا بحق منذ اليوم الأول، بل "تلقّن" الدين عن طريق التقليد فقط، في إطار صوري جامد، يُغيٍّب الفهم المستفيض لمعانيه والوعي العالي بقيمته والتدبر في حكمته، ما يجعل إيمانه ضعيفا يذهب أدراج الرياح عند أول اختبار أو موقف يلمس فيه تناقضا لا يجد في ذهنه إجابة أو تفسيرا له، فقلة المعرفة الدينية آنذاك ستكون النقطة المحورية أو الوتر الحساس الذي سيتستغله أصحاب الأيديولوجيات الخبيثة لاستقطابه وإفساد عقيدته، لذا وجبت تقوية المناعة الفكرية والحصانة الدينية في المجتمع العربي الإسلامي بالتعرف على الدين عن كثب والتمعن في دراسته، عوض الاكتفاء بما يعرض في الإعلام أو ما يوجد في المناهج التعليمية التي تزداد سطحية ما تقدمه سنة تلو الأخرى. هذا واجب المسلم تجاه دينه، لا تنتظر أن توضع اللقمة دائما في فمك وأنت جالس في مكانك، قد يعلمنا آباؤنا وأمهاتنا وأستاذتنا ثلة من أساسيات ومبادئ الدين والقيم والأخلاق، لكن دورهم ينتهي في الزاد المعرفي الأساسي الذي منحونا إياه، لنكمل نحن مشوار التعلم والتفقه وتهذيب النفس حتى لا ينطفئ نور الإيمان في أفئدتنا.

أمّا بالغ الأسى، فعلى الذين ذهبوا إلى تنميط الدين ليساير متطلبات العصر والحداثة والعولمة، حتى أفرِغ الدين من محتواه، بل أصبح العديد منهم يعتبرون أنفسهم ممارسين حقيقيين للدين pratiquants وهم لا يرون فيه سوى الجانب المظهري، ويمارسون الانتقائية في تطبيق مقتضياته، ليظلوا بذلك غافلين عن إدراك عمق فحواه والإلمام بمعانيه الجليلة طيلة حياتهم.

قال عز وجل في سورة الجاثية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)

يقال "فاقد الشيء لا يعطيه"، ويقال أيضا "الذين لا يدافعون عن أي شيء، سينساقون وراء أي شيء." Those who stand for nothing, will fall for anything.

فلا تتوقع من جيل النيتفلكس والسيلفيات الشبه عارية وسراويل الجينز الممزقة، الذي تربى على الأنانية والسطحية واللااكتراث، مع تمجيد التفاهة ومفاهيم "الانفتاح والتحرر" الغربية، حتى أضحى يعيش في فراغ هوياتي وقصور أخلاقي حاد، لاهثا خلف أي موجة أو موضة صاعدة، لا تتوقع أبدا أن يناضل -هذا الجيل الوضيع- من أجل قضايا الأمة، أو حتى أن يبدي أدنى اهتمام بها، كيف تريده أن يفعل وهو أصلا لا يعرف عنها شيئا؟.. 

المسألة تشمل البالغين أيضا، نساء ورجالا، ويحز في قلبي كثرة ما أراه من استفحال الجهل وقلة الوعي بين هؤلاء، خصوصا في صفوف عدد غير يسير من أولياء الأمور و"المثقفين النخبويين"، إنهم جهلة بامتياز، وأكثرهم من ذوي الجهل المركب، يعتقدون أنهم عارفون مدركون، وهم في الواقع يجهلون الشيء، ويجهلون أنهم جاهلون به. أولئك يورثون جهلهم إلى أبنائهم، وينخرون المجتمع من الداخل، مجتهدين في إفساد ما تبقى من منظومة القيم السائدة بين أفراده، فاحذروهم ولا يغرنّكم ما هم به فرحون.

جدير بالذكر ختاما أن المستوى الأكاديمي والجاه والهندام الجميل والكلام المنمق... لم تكن يوما معايير لقياس حسن الخلق والصلاح. من جهة أخرى، عندما يغدو العقل عاجزا عن التمييز بين الحق والباطل وعندما تفشل العين في رؤية أبعاد ما يحدث أمامها، عندها يكون القلب قد وصل لمرحلة الصدأ و عمى البصيرة، فلننعش قلوبنا.

كلّما ابتدع العالَم الغربي فاحشة أو دناءة جديدة، حرص على تسويقها لنا تحت غطاء مفاهيم فضفاضة ك "الانفتاح على الآخر" و"قبول الاختلاف" و"الحريات الفردية"...، ولا يتحرج هذا العالَم أبدا من الضغط سياسيا واقتصاديا على صناع القرار في الوطن العربي لحشر تلك الأيديولوجيات الشاذة في شتى المشاريع التنموية و"المبادرات ذات الطابع الخيري" التي تستهدف شرائح عريضة من الناس، بل وتُجبَر حكوماتُ الدول على سن قوانين تبيح عددا من الظواهر الدخيلة والممارسات اللاأخلاقية، مع توفير الحماية لمن يقوم بها وزجر كل معترض عليها، فإذا تكلمت بالحق يوما، رموك بوابل من الشتائم والنعوت القدحية، فأنت رجعي، متخلف، متزمت، متشدد، متعصب، وعنصري يجب إلجامه فوراً. نعم، إنها لا تتوانى أبدا عن دس تلك المواد المسمومة في مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأقوى تأثيرا، كالمدرسة والإعلام، يأتي الدور بعد ذلك على ثلة من المنظّرين التنويريين (المحليين) ليساهموا أيضا في عملية الاستقطاب وغرس منظومة قيم فاسدة مفسدة، ستجدهم في كل مكان يطرحون نظرياتهم المشبوهة حول إعادة قراءة النص الديني وإنتاج مضامينه بشكل يلائم مستلزمات حداثة مزعومة، قيل أن عيش البشر لا يستقيم دونها! يحرفون ويحذفون ويؤولون كيفما شاؤوا، غرضهم صنعُ "إسلام على المقاس"، إسلام معدَّلٌ خفيف يحاكي الفكر الخبيث والهرطقات التي يروجون لها، ومنهم علمانيون متطرفون يحاربون الدين عموماً، يبخسونه ويفرغونه من حمولته الثقيلة ودلالاته العميقة، ثم يعملون على تنفير العباد منه، ينادون بالاستغناء عنه آملين إخراجه كليا من اعتبارات الإنسان الحياتية.

عند هذه النقطة بالذات، تكون قد نجحت عملية تخدير العقول وأفلحت جهود التجريد الهوياتي وطمس الحس النقدي وتغييبِ الوعي، حيث يتحول الأفراد إلى كائنات هلامية شفافة تتماهى مع أي حركة وتتلون بأي صبغة فكرية تسكب فوقها؛ إلى أكياس خاوية طيّعة يمكن ملؤها بأي خزعبلات أو فلسفات قذرة، هذه الأخيرة سرعان ما ستصبح مبادئ وقناعات لدى هؤلاء الضحايا "المجنَّدين"، لأنها الآن دون أدنى شك -حسب اعتقادهم-، "البديل الموعود" و"المنهج المنشود" الذي سيضمن لهم النجاح المبهر والراحة النفسية التامة والسعادة "التي يستحقونها" في هذه الدنيا الفانية.

فسوف تعلمون.

-طروادة الغرب، أو ترسيخ عقلية الحمير وتصدير الشر المستطير في هيئة التغيير- 

أسامة حمامة
What's up with the world and these Rainbow flags?
Netflix raising a generation of fags
Young guys going for sex change in Prague
Missies badly seeking to get drunk and shag!
A girl grows ass, and here she brags!
Learning all day how to walk in zigzags
A boy grows abs for "Queen of Drags" /!?
They're calling it (Freedom), it's a moral lag!!!
Now all the hype lands, in the minds of lads
Making 'em wanna have what they seen in ads
You askin': Who pays? It's moms and dads!
LV hats and Fendi bags
Ripped jeans in winter? that shit really nags
What's up with the people chasing price tags
with brains so dirty like stinking rags?
You know it when they speak like evil hags
Better keep their mouths shut, or put there some gags!

O.Hamama


القراءة من الكتب وحدها طلبا للثقافة والمعرفة تصيّرك حبيس الورق الذي تنظر إليه، فلا أنت تستطيع البحث عن كلمات استوقفتك ومصطلحات لم تفهمها، ولا أنت تجد سبيلا للتحقق من معلومات ووقائع شككت فيها.

هذا الانحصار الشديد للمعلومات في صفحات الكتب يفوت على القارئ فرصة توسيع مداركه والإلمام بمواضيع قريبة تزيد فهمه للتيمة الرئيسة التي يقرأ عنها، ورغم ما سيبادر المدافعون عن فعل القراءة التقليدي إلى قوله غيرة ودفاعا عن الكتاب، من قبيل كونه أكثر راحة للعين وأقرب إلى المصداقية بفضل التحكيم والمراجعة، فهذا لا يقيه من عديد الشوائب والنواقص التي تجعله في نظري متجاوزا كوسيلة فضلى للتعلم أو معيار أساسي للجزم بالمستوى الثقافي والعلمي للشخص، إذا ما قارناه بنشاط القراءة الإلكترونية التي تفتح لصاحبها آفاقا تفاعلية واسعة تحوّل عملية الكسب المعرفي إلى متعة بالغة، فيها اختصار للجهد والوقت، لاسيما ونحن نعيش في عصر السرعة الذي أضحت مواكبة متغيراته رهينة بالبقاء مشبوكي الفضاء الرقمي.

الوفاء الدائم للقراءة الكلاسيكية يشبه الإصرار على استعمال هاتف قديم عوض هاتف ذكي، أو ركوب عربة خيول بدل سيارة حديثة، وهو انغلاق فكري وحكم غبي على النفس بالحرمان من اكتشاف دروب أنجع لتنمية العقل. ولكم أن تسألوا مثلا عمّن يجوز في حقه لقب "واسع الاطلاع": رجل مهندم جالس على المقهى أو في المكتب يلتهم جرائد ورقية محتواها تقادم قبل طباعته، بل أثناء كتابته، أو شاب يتابع الأخبار فور حدوثها عبر شاشة هاتفه؟ فتاة تتفقه في علم النفس على صفحات كتاب ورقي أو أخرى تدرس نفس المبحث في مقال إلكتروني مليء بالروابط التشعبية التي تحيل على مواد رديفة مع إمكانية التنقيب خارج المقال عن المفاهيم وغيرها؟...

لأكون منصفا، قراءة الكتب الورقية هي فعل تراثي له جماليته مادام لم يرق عند فاعله لدرجة اعتباره ركيزة معرفية وحيدة (سوى في حالة عدم وجود غيرها)، لذا الأصح في رأيي أن يبقى هواية نوستالجية للاستجمام، كإيقاد شمعة عوض إشعال مصباح كهربائي، أو السقاية عوض استعمال ماء الصنبور...

من جهة أخرى، على مستوى العلاقات الاجتماعية، العاطفية تحديدا، أجد أن الإقدام على "مواعدة" شخص يدمن قراءة الكتب والروايات الرومانسية خصوصا، فعل محفوف بالمخاطر، صحيح أن شرائح عريضة من الناس تميل وتتطلع إلى (الشخص القارئ) بحكم رمزية الكتاب وارتباطه في عقول الكثيرين بمفاهيم إيجابية من قبيل الوعي والثقافة والانفتاح الفكري وغيرها، لكن الأمر قد يكون عكس ذلك تماما، كيف ذلك؟ في الحقيقة، -وهذه فرضيتي طبعا-، يتوقف الأمر على نوعية الكتاب أو النص المقروء، ودرجة تشبع القارئ بمضامين ذلك النص، وكذا قدرته على تمحيصه بشكل ذكي لا يمنع من وضع مقارنة بين ما جاء فيه وبين الواقع المعيش، لكن لا يدفع بالضرورة إلى إسقاطه بحدة بالغة واعتماده -قصرا- كمرجع لما يجب أن تكون عليه الأشياء في العالم الملموس. في هذا الصدد، سأضرب المثل بفتاة تهوى قراءة الروايات ذات الطابع الرومانسي، استمرارها في استهلاك تلك القصص الشاعرية الوردية، قد يفضي إلى تكوين فكرة وهمية سرعان ما ستتحول إلى قناعة راسخة، مفادها أن شريكها المستقبلي يجب أن يتوفر على المواصفات نفسها لـ "الرجل العاشق" بطل الرواية، وقد لا تدرك أن المثالية التي تكتب بها تلك النصوص من حيث جمالية الشخصيات وروعة الحوارات وجاذبية الأمكنة وسيناريو الأحداث... تصب كلها في نهر الإبداع والخيال الواسع الذي يوظف من قبل المؤلف في عمله الأدبي، استمالة للقراء وطلباً لإثارة إعجابهم، فهم في وقت القراءة ينفصلون تماما عن محيطهم من أجل السفر بذواتهم إلى عوالم أخرى، حكاياتها بعيدة كل البعد عن ظروف الواقع المادي، لكن فتاتنا من فرط النشوة والانبهار بالحبكة -التي تصمم بعناية فائقة لتوليد أثر عاطفي أو فني لدى القارئ-، قد تبقى ذاتها عالقة هناك بين الأسطر، في انتظار الفارس الشجاع "كامل الأوصاف" -على حد قول العندليب- الذي سيأتي لإنقاذها "ممتطيا جواده الأبيض"، وعندما تصادف في حياتها أفرادا تنقصهم إحدى مزايا "الحبيب الموعود"، تسارع إلى التخلص منهم، رغم كونهم ليسوا حقا أشخاصا سيئين. لا حرج في أن نستمد بعض الأمل في غد مشرق وإنسان أكثر مثالية من تلك الروايات المزعومة، لكن يجب أيضا التعامل مع محتوياتها وما تطرحه -بشكل غير مباشر- من نظريات جدلية، برزانة وحذر كبيرين، فلا يلتهمها المرء بسذاجة قبل أن تتفحصها عيناه جيدا ويمضغها بتأن شديد، وإلا سببت له عسرا في الهضم (الفهم) أو تسمما (فكريا).

في سياق متصل، سأضرب المثل أيضا بشاب يفرط في تناول كتب علم الاجتماع والفلسفة وحقوق الإنسان والروايات التي تمجد القيم النبيلة وتحض عليها...، قد تساهم عاداته القرائية هذه في تضخيم وتعظيم الإيمان بخيرية الإنسان لديه، لدرجة وقوعه أحيانا ضحية إصابته بالسذاجة Gullibility، التي ستصور له أن عامة الخلق يتحلون بسلامة النية والمبادئ والخصال الحميدة التي يطالعها ليل نهار على الأوراق. إنّ ذاك الإيمان القوي وتصديق كل ما هو مكتوب، سيدفعه في بعض المرات إلى محاولة تغيير الواقع حوله، وحين تبوء تجاربه بالفشل ويخذله الناس مرارا وتكرارا، سيتملكه آنذاك الشعور بالخيبة، وقد يلجأ إلى الانطواء والانعزال بنفسه بعيدا جراء "الصدمة الأخلاقية" التي ألمت به، هذه الأخيرة كفيلة بإدخاله في دوامة من القلق والاكتئاب لن تكفي القطيعة مع العالم الحقيقي في إخراجه منها، فثلة من العباد تؤثر البحث عن "مكان أنسب" كحل يروي التعطش إلى رؤية مجتمع فيه ممارسات أخلاقية أفضل، وهذا يفسر ربما هجرة فئات كبيرة من الناس إلى بلدان أخرى توافقُ بيئة عيشها طبيعة قناعاتهم الفكرية، أما من لا يستطيع لذلك سبيلا، فسيبقى سجين أزمة نفسية تنتهي غالبا إما بالإذعان لعقلية القطيع ومحاولة التعايش مع السياق المجتمعي السائد أو بالانتحار رغبة في الخلاص. هذا التطبيع مع الواقع يأخذ أشكالا غريبة أحيانا، فاستيعاب القارئ ومن ثم تصالحه مع الفرق الحاصل بين "نور" معاني ورسائل الكلمات المخطوطة وبين "سوداوية" العالم المحسوس، يجعلانه يتبنى التعامل بتعال وتحقير لكل ما يجري في دائرته، فالأحداث والناس أقل أهمية ومرتبة من أن يشغلوا باله ويكبدوه عناء محاولة التفهم أو التعامل بتسامح وتعاطف.

سيرا على المنوال نفسه، قد يتمخض عن معاقرة كتب فلسفة الأخلاق والتنمية البشرية والروايات الإنسانية.. كمٌّ هائل من الأنانية لدى القارئ، فعلى نقيض ما قد يتبادر إلى الذهن، هناك من لا يترك لنفسه مجالا لممارسة وتطبيق تلك الأخلاقيات على أرض الواقع، فإحساسه بالشفقة تجاه الشخصيات أو الوقائع الموجودة في الكتاب تنتج لديه شعورا بالاكتفاء والرضى عن النفس، بل الإعجاب بها، لأنه نجح في اكتشاف "جانبه الإنساني" حين اختبر المأساة مع تلك الشخوص وذرف الدموع على معاناتها، ستجده يحزن أشد الحزن على الألم الذي لحق طفلا فقيرا في قصة خيالية، لكنه عند الانتقال إلى العالم الحقيقي، لن يحرك ساكناً أبدا لمساعدة طفل في محنة، معتبرا نفسه "غير ملزم أخلاقيا"، بحكم توقف دوره -حسب اعتقاده- فيما خالجه من أحاسيس "إنسانية مثالية" أثناء محاكاة قصة الكتاب والتفاعل معها في عقله، فكأن فعلَ القراءة استنفد خزان الطيبة لديه وجمّد آلته الشعورية، وليس بيده الآن ما يقدمه للآخرين، لكنه رغم ذلك سعيد جدا بكونه شخصا "أصيلا" مرهف المشاعر، يبكي على قصص شقاء من نسج الخيال. وهذا يدفعني لقول: وات دا فاك!

أسامة حمامة


عندما أستحضر في ذهني بعض الصور من الأعراس المغربية، أتساءل أحيانا إن كانت العروس تشعر حقا بالسعادة في حفل زفافها، أم أنها تقنع نفسها، بشكل ما، بوجوب الشعور بالسعادة، لأن "حفل الزفاف" ذاك (حسب ظنها) حلم كل فتاة، ولا يحق لها أبدا أن تبدي امتعاضا من فكرة إقامته أو حتى تعترض على واحدة من تفاصيله، وإلا ستبدو غريبة الأطوار وسينظر إليها بعين الريبة من قبل المحيطين بها. 

هل تستمتع تلك المرأة فعلا بأيام من الاستعداد والتوتر تسبق ليلة الحفل؟ ثم ما معنى الدخول على الناس في كامل زينتها واستعراض نفسها أمامهم (عدة مرات)؟ هل هو تحقيق لرغبة دفينة في الmodeling؟ أو محاولة للتباهي وإثبات الذات من قبيل (انظروا إلي، لقد تزوجت، أنا عروس جميلة وحفلي مبهر، هكذا أبدو في كامل أناقتي، صوروني أرجوكم!) ثم ما القيمة المضافة المرجوة من الصعود في "العمارية"؟ التخلص من فوبيا المرتفعات مثلا؟ أو نيل شعور مؤقت بالرفعة والتكريم؟ لا أعرف حقا ماهية الأحاسيس التي تنتاب المرأة في حفل الزفاف، أخص هنا بالذكر العرس المغربي، لأنني أجده بكل فصوله وعاداته مناسبة تافهة، صحيح أنها تفيد في تحقيق شرط "الإعلان عن النكاح"، لكن حتى من يبتغي ذلك من منطلق ديني محض، سيكون قد خرق وأخل في الوقت ذاته بآلاف المقتضيات الشرعية الأخرى كعدم نشر الفتنة وتجنب الفواحش...، لأن "العرس المغربي التقليدي" في نسخته "الشعبية" الأكثر رواجا، والمفضلة لدى الكثيرين، يعتبر بيئة خصبة وفرصة سانحة لشتى الممارسات الغير جائزة دينيا، بدءا بتلك العروس التي تعرض نفسها أمام الجميع، مرورا بالرقص والأغاني التي تحتوي كلمات تحض على الغواية أو الشرك، كالتبرك بالأولياء وغيرها من الأمور.

الكثير من تلك التقاليد والطقوس إن لم أقل كلها، لا تمت لتعاليم الإسلام بصلة، حتى الصلاة على النبي التي تقوم بها النكافات في كل مرة تلج العروس القاعة أو تخرج منها، هي مجرد بدعة وهرطقة، كيف ستصلي على النبي المصطفى استقبالا لامرأة ستتبختر أمام الغرباء في أجواء مليئة بالشبهات؟ ألم نؤمر بتجنب الشبهات... تخربيق وصافي.

"خاصني النكافة، أندير 7 ديال اللبسات، بغيت عمارية بالسقف، بغيت هديك القاعة الكبيرة، أنعرض على صحاباتي في الخدمة، كتعرفي شي مصور مزيان؟، أجي واش نصبغ شعري، نقول لسميرة دّير لايف ففايسبوك؟، ... " تبا لسخافتكم.

كفانا ضحكا على أنفسنا وارتكابا للآثام باسم الدين، فلنصارح أنفسنا ولنتفقه قليلا. الطريقة التي تجرى بها أغلب "الأعراس المغربية" تتنافى جملة وتفصيلا مع الوصايا الدينية، ومن يروم "الزواج على سنة الله ورسوله"، فحري بحفل زفافه أن ينظم على منهاجه عز وجل أيضا.
المهم، ديرو للي بغيتو، جيبو كاع مايا لعرسكم. أنا غير داوي ههه




تُكَوّنُ ثلة من البشر -خصوصا معشر النساء-، تصورا خاطئا عن الحب وكيفية تدبير العلاقات، حيث يعتقد هؤلاء، بفعل عدة أفكار نمطية تمرر إليهم أساسا عبر برامج التلفزيون وصفحات الكتب ومواقع الويب وأساليب التربية، (وقد يتبنون تلك الأفكار أيضا بعد تجارب سيئة)...؛ أن الشريك المحتمل ملزم لوحده بتحمل مسؤولية بذل الجهد والتفاني في إرضائهم من أجل إنجاح العلاقة، بينما لا تستدعي الضرورة منهم إلا مساهمة شبه منعدمة في العملية برمتها، فهم يفترضون -عن قناعة راسخة (وهذا مثير للسخرية)- أن حقيقة وجودهم كطرف في العلاقة أمر "كاف جدا" ليصبح تحصيلهم الاهتمام التام والعناية الكاملة حقا مكتسبا غير مشروط، وذلك دون تكبدهم عناء فعل أي شيء بالمقابل.

غالبا ما يفشل هؤلاء في علاقاتهم، وتكون النهاية مغادرة فجائية لشريك ضاق بالصبر ذرعا، وأعيته محاولة الإنقاذ في انتظار مبادرة الطرف الآخر. فكيف ستزهر النبتة التي تعكف على ريها، بينما شريكك واقف أمامك يتفرج دون حراك، لا هو ساعدك في تسميد تربتها ولا هو تزحزح من مكانه ولو قليلا، لتنال النبتة ما تحتاج من ضوء الشمس الذي كان يحجبه عنها، وذاك في نظري أهون ما يمكن القيام به، هذا إن وصلت البذرة إلى مرحلة الإنبات أصلا.


You know,
I've looked for love in the strangest places
'Been hurt many times, you can tell from the traces
I tried hard to find hearts, never cared for the faces
Hoping to meet "Athena" and not one of the "Graces"
But I just kept on losing my races
Like a child wearing braces, tripping over his shoelaces on a regular basis
A Spring butterfly is all he ever chases
Now his dream is an illusion he no longer embraces
Cuz yes we might have dreams, but life is moving at slow paces, even when we play our best aces
If you think it's unfair, then we ain't the only cases

Oussama Hamama

 أنهكتُ قلبِي بحثاً عن الحُبِّ

كخائضٍ في البحرِ يتوق لماءٍ عذبِ

صعدتُ جبال الألبِ وهويْتُ لقاع الجُبِّ

وتعبتُ سيراً بين شمالٍ وغربِ

تالله ما وجدتُ إلاّ بناتَ الكلبِ

لسنَ فيك يريْنَ غير مالِ الجيبِ

يتركن المحاسن ويمعن في نقدِ العيبِ

ولا يُجدن صنيعاً سوى الأخذ والسّلبِ

الآن أضعتُ دربِي من شدة الرّيبِ 

أسهرُ اللياليَ ومؤنسي كَرْبِي

دعوتُ لهن يوماً في ظهر الغيبِ، فما كان ذنبِي!

وما أخرجني من دار السّلم إلى ساحة الحربِ

 أسامة حمامة 



I know (We) may seem a little incompatible at first sight, you may think (We) are not made for eachother, I know I could've made the worst impression ever out of anxiety. But please, don't be one of them judgmental shallow bitches out there, I saw something good in you, I believed in it, and I ain't easily giving it up; so look, if you give "Us" a chance instead of just rushing to leave, we can hopefully get somewhere together, you know. They say "Wonders Never Cease", and even if they do, at least we'll have the honor of trying.

كثيرا ما تستوقفني سلوكات نماذج بشرية لا أنفك أصادفها خلال رحلتي اليومية على متن "الترام"، وأنا هنا بصدد جرد بعضها لكم، إيضاحا لتدني المستوى الأخلاقي وانهيار منظومة القيم لدى شرائح عريضة من مجتمعنا.

تبدأ أول فصول الحكاية مع صديقنا "الهرّاف"، الذي ستراه قادما من بعيد مسرعا إلى الشباك بينما ينتظر الجميع في الطابور لاقتناء تذكرة، شخص لا يستحي خرق نظام الصف، ولا يحترم الواقفين، يتظاهر بعدم سماع تنبيهاتهم واحتجاجهم عليه، وإذا حدث أن استدار لصوت مناد، تذرع -مستخفا طبعا- بكونه "في عجلة من أمره" ثم مضى ليبتلعه الزحام.

لا تحزنوا، فـ "الهرّاف" سيظهر مرة أخرى عند وصول الترام، ستجده مسمرا أمام الباب، وبمجرد أن يفتح، لن يتريث أبدا حتى ينزل الركاب، بل سيتدافع مع الناس ليسبق الكل إلى الصعود، وإلى تأشير التذكرة، ثم سيهرول لأقرب مقعد شاغر، وقد يؤجل عملية التأشير حتى يحجز لنفسه مكانا للجلوس، واضعا فيه غرضا شخصيا، بل سيقدم أحيانا على حجز الكراسي لمرافقيه أيضا. يذكرني هذا بأجواء المسجد في رمضان أو أيام الجمعة، حين يتعمد أحد المصلين القدوم باكرا لفرش سجادات أصدقائه، كي يضمنوا أفضلية "الصلاة في الصف الأول".

لن تمضي إلا لحظات قليلة على انطلاق الترام، لتلحظ أنوفكم روائح غريبة ومزعجة تنتشر في العربة، مردها ذوو أفواه نتنة أو أحذية عطنة، أو مبالغون في التعطر ووضع الطيب، أو مهملون للاستحمام، أو حاملون لأطعمة فواحة كالسمك ونحوه، ... لكن أكثر ما يضايقني هو "الكمّاي" الذي لا يفارق سيجارته، ستلفيه في المحطة يمشي جيئة وذهابا وهو يدخنها بفخر قرب الجالسين، لا يبالي بأحد في غمرة انتشائه، ولا يترك حبيبته عندما يهم الناس بالركوب، بل يستكمل شربها حتى يشارف الترام على المغادرة، يرمي حينها غير مكترث عقب لفافة التبغ على الأرض، ثم يحشر نفسه بخفة داخل المركبة جارا وراءه سحابة من الهواء الملوث، ولا يمكن لآدمي مهما بلغ صبره أن يحتمل المكوث بمحاذاة "الكمّاي"، بأنفاسه الكريهة تلك وثيابه التي عبقت بالقطران.

ما إن يتوقف الترام في أحد المحطات ليترجل "الكمّاي" ويريح الراكبين من تبعات إدمانه على النيكوتين، حتى تلجه جموع "السلاحف الدراسية"، نعم، فأغلبهم من التلاميذ وطلبة الجامعات، يركبون محملين بحقائب ظهر كبيرة ليبدو مظهرهم مثل السلحفاة، وهم لا ينزلونها أرضا أبدا، بل يتركونها فوق أكتافهم منغصين العيش على من يقف خلفهم، لاسيما عند اشتداد الحركة بهم أثناء الحديث والترام مكتظ عن آخره، المؤرق في الأمر لا ينحصر في المساحة الإضافية التي تحتلها تلك الحقائب مفتعلة المزيد من الزحمة، فالأذى الذي تسببه للركاب يتمثل أيضا في إصابة ملابسهم بالوسخ عند الاحتكاك، أو الإضرار بها -دون قصد- عندما يعْلق مثلا زر قميص في سحّاب الحقيبة، أو عندما يتمزق أو يثقب ثوب راكبة ما نتيجة التصاقه بأطراف أو نتوءات معدنية تشكل جزءا من الواجهة الخارجية للحقيبة، وكثيرا ما تعلق هناك أسلاك السماعات وخصلات شعر الفتيات.

رغم ما أسلفت ذكره، قد يكون منظر "السلاحف الدراسية" في نهاية المطاف أقل إيلاما من أولئك الشباب، طلبة وموظفين، أهل الثقافة والعلم والأناقة، لمّا تلمحهم جالسين بثقة على الكراسي المُفردَة أساسا لذوي الاحتياجات الخاصة والحوامل والمسنين، يتمازحون مع بعضهم أو يلعبون في أجهزة الهاتف، وإذا رفعوا أعينهم ولمحوا شخصا يجوز له الجلوس مكانهم، حوّلوا أبصارهم إلى الناحية المغايرة أو عادوا بها إلى أدوات لهوهم دون أدنى شعور بالذنب أو المسؤولية. نادرا ما يتدخل المراقب ليطلب من أحدهم ترك المكان لعجوز أو امرأة حامل، بل يأتي الطلب غالبا من عند هؤلاء المحتاجين للقعود حين لا يقوون على تكبد عبء الرحلة، وإذا قامَ أحدهم لرجل مريض أو امرأة منهكة بعد طلب لطيف، قامَ على مضض متثاقلا، كأنه يترقب كلمة شكر أو يريد أن يمن عليهم "حسن صنيعه" بلغة الجسد، مع أنه في الأصل ما كان يجب أن يحتل موضعا لا يحق له.

تتوالى التصرفات المشينة خلال رحلتنا، وهي تصرفات أجد فيها تعبيرا جليا عن الانحطاط الأخلاقي الذي بلغناه، حيث تغيب معاني الإنسانية والتراحم واحترام حرية الآخر، يوازي ذلك استقواء النزعة الفردية وطغيان الوضاعة واستشراء المعاملة الأنانية بين العباد. وللإشارة، فكلا الجنسين يشتركان في الإتيان بهذه الأفعال، رغم أن أسطري قد توحي بأن الكلام يستهدف معشر الذكور فقط.

ولأنني على وشك النزول، سأختم بسرد فعل أخير، ربما لا يراه العديد من مرتكبيه مسيئا البتة، وهو رفع صوت الموسيقى عبر السماعات، ناهيك عن تلك المكالمات الهاتفية أو المحادثات الثنائية الجهورة، وما يتخللها من ضحك مدو وقهقهات عالية تصم الآذان، وتعمق من ضرر الصداع الناتج عن الإنذار المتكرر في كل مرة توصد فيها الأبواب. فتبا لكم ولتربيتكم القذرة.

"مدينة العرفان، محطة نهاية الخط. المرجو النزول."

أسامة حمامة

Next PostNewer Posts Previous PostOlder Posts Home
Featured
Videos